قصص وحكايات

رِحْلَةٌ فِيْ قَلْبِ الصَحْرَاء(الجزء السادس)

قصص وحكايات

 

 

مَاجدٌ بَعْدَ أَمْجَد

(حُبٌ مِنَ النظْرَةِ الأُولَى)

 

عندما وقع أمجد في حب ليلى أخت الصياد نصحه ماجد بعدم الإقدام على هذا الأمر كيلا يشغله الحب عن تحقيق أحلامه، وأنهم في مهمة محددة يجب أن ينفّذوها في وقتها، ولا يجوز أن يشغلهم شيء عن تلك المغامرة الأولى لهم، ولكن الحب كان أقوى من أية مهمة، وأهم من كل رحلات العالَم ومغامرات المغامرين، وما حذّر منه ماجد رفيقه أمجد قد وقع فيه، وربما بشكل أقوى.

فمن لحظة وصولهم إلى تلك القبيلة واستقبال سعاد لهم، ورغم أنهم كانوا مشغولين بأمر صديقهم أمجد، غير أنّ الحب قد سيطر على الموقف رغم كل الصعوبات، وقد رأى ماجد قمة الإنسانية في سعاد ابنة الطبيب، فهي الوحيدة التي بادرت وأسرعت إلى مساعدتهم، وكانت تركض أمامهم وماجد ينظر إليها بإعجاب ويتفكّر في تلك الإنسانية التي ندر وجودها بين الناس.

وقد لاحظت سعاد نظرات ماجد الغريبة لها وأدركت بأنه وقع في غرامها، وهي الأخرى شعرت بذات الشيء، وبدأ الأمر بينهما بتبادل نظرات الإعجاب دون أن يصرّح واحد منهما بما يدور في خاطره، إما خوفاً كما كان عليه وضع ماجد، وإما حياءاً كما كان عليه وضع سعاد.

 

مَاجِدٌ يَرعَى المَاشِيَةَ

 

في صباح اليوم الثاني، وقُبَيل شروق الشمس أحضرت سعاد طعام الفطور للشباب، وكان ماجد مستيقظاً فسمع صدى خطوات خارج الخيمة، فخرج على الفور، وإذ هي سعاد ابنة الطبيب واقفة أمام الخيمة وبيديها أطباق الطعام، فأسرع نحوها وحمل الأطباق عنها، ونظرات العشق تتملك بالطرفين حيث وقفا ينظران إلى بعضهما دون أن يتفوه أحدهما بأية كلمة، ثم استأذنت بالإنصراف فسألها عن سبب العجلة فأخبرته بأنها ستخرج لرعي الماشية،  فاقترح عليها أن يذهب مكانها لأنها تعبت في اليوم الماضي ولم تنم بما يكفي، فرفضت الأمر في البداية حيث لا يليق بالضيف أن يقوم بأي عمل، فتوسل إليها أن توافق فقالت له سوف أسأل والدي فإن وافق فلا مانع عندي.

رجعت إلى دار أبيها ونقلت إليه طلب ماجد ففهم الأمر على الفور ووافق على خروجه مكانها بهدف تقريبهما من بعضهما، فخرج بالماشية وعاد بها بعد الظهر إلى دار الطبيب ثم انصرف إلى خيمته وهو يشعر بسعادة كبيرة.

ولم يعُد يطيق صبراً على عدم مفاتحة الطبيب بالأمر، ولكنه تريّث قليلاً كيلا يعيب عليه رفاقه نسيانه لحالة أمجد المسكين، وبدأ يترقب شفاءه لحظة بلحظة، وذلك من أجل أمجد ومن أجل حبه لسعاد.

 

أَمْجَد يَستَعيدُ عَافيَتَه

 

في المرة السابقة استعاد أمجد صحته والتأم جرحه بعد أربعة أيام من إصابته بخنجر البدوي المشؤوم، وكان شفاؤه هناك شبه معجزة حيث شُفي من دون مداواة في كهف بارد، أما والطبيب يُشرف على علاجه ويهتم به في دارٍ واسعة دافئة فقد التأم جرحه في غضون يومين فقط، وقد انخفضت حرارة جسمه إلى مستواها الطبيعي.

وبهذه المناسبة دعاهم الطبيب إلى طعام العشاء على شرف شفاء أمجد فلبوا الدعوة شاكرين الفضل، وتمّ التعارف أكثر بينهم وبين الطبيب الذي أُعجب بأخلاقهم وحماسهم، أما صاحبنا ماجد فقد كان غارقاً في التفكير ومتردداً في مفاتحة الطبيب بأمر ابنته سعاد التي أحبها منذ أن وقعت عيناه عليها.

 

الطبِيْبُ يَطْلُبُ الإِجْتِمَاعَ بِمَاجِد

 

لم يكن الطبيب غافلاً عما يدور في خَلَد ماجد، فمنذ أن وصل الشباب إلى داره وهو يلاحظ حركات غريبة تصدر من ماجد وابنته في ذات الوقت تدل على الحب الذي سيطر عليهما، فرعيُ الماشية بدلاً عنها، والنظر الدائم إليها، وسكوت ماجد المستمر، واهتمام سعاد بضيافته خصوصاً، كل ذلك كفيل بالدلالة على ارتباط روحيهما.

وكان الطبيب على يقين بأنّ ماجداً لن يفاتحه بالأمر خجلاً حتى ولو لبِث فيهم أعواماً، ولا يخفى أنّ الطبيب رأى في ماجد الزوج المثالي لابنته الوحيدة، فأحب أن يُهوّن عليه الأمر كيلا يخسره، فطلب منه الإختلاء به من أجل حديث خاص.

جلسا وبدأ الطبيب بطرح الأسئلة على ماجد كما يفعل كل والد تجاه خطبة ابنته، وكان ماجد يجيبه بكل ثقة، وقد أخبره بطموحاته والهدف من رحلته فشجّعه على المُضي قُدُماً، ثم سأله سؤالاً لم يستطع الإجابة عليه حيث قال له: ما رأيك بابنتي سعاد، فاحمر وجهه ولم يتفوه بأية كلمة، فقال له الطبيب لقد كنتُ مثلك تماماً عندما طلبت يد أم سعاد، فقال له ماجد حينها، أتعني أنك تعلم بما أريد؟ فقال نعم، أنت تحب ابنتي سعاد وتريد أن تتزوجها، أليس كذلك؟

فقال ماجد: هذا ما أتمناه أيها الطبيب إن لم يكن لديك أي مانع، فابتسم الطبيب كعلامة على الرضا ثم قال لماجد: هناك أصولٌ متَّبَعة عندنا نحن العرب في موضوع الزواج، فقال له ماجد: أعرف تلك الأصول تماماً، وأنا لا أقبل الزواج من ابنتك إلا عن طريق تلك الأصول، ولكن عدني أيها الطبيب أن لا تزوجها لأحد غيري قبل عودتي من رحلتي، فوعده الطبيب بما طلب شرط أن يأتي برفقة والده وبعض وجهاء قبيلته لخطبتها، فوافق ماجد على هذا الطلب ثم خرجا إلى باقي الشباب، وأخبراهم بالأمر، ففرح الجميع لهذا الخبر وباركوا لهما، وبدأوا الإستعداد للإحتفال بعريسين وعروسين في وقت واحد(أمجد وماجد)

 

يَومَ المُغَادَرَة مِنْ قَبيلِةِ الطبِيْب

 

مضى على خروجهم من قبيلتهم أكثر من شهر، وكان من المفروض أن يدركوا هدفهم خلال تلك المدة، غيرَ أنّ ما حدث معهم حال دون الوصول إليه في الوقت المحدد، ولكن الخير فيما وقع، لقد وقع أمجد في حب ليلى، وماجد في حب سعاد، وكان ذلك من أهم ما جنته لهم تلك الرحلة من خير.

ودّع أهل تلك القبيلة شبابنا وخرجوا منها، وقلب ماجد بقي فيها كما بقي قلب أمجد في قبيلة الصيّاد، ولولا إصرارهم على تحقيق أحلامهم لَما تابعوا تلك الرحلة، حيث تمنى كل واحد منهم اصطحاب محبوبته معه والعودة إلى الديار، ولكن ظروف العيش تفرض عليهم السعي وتحمُّل البُعد عن الوطن والأهل، فإنهم إنْ لم يجنوا المال فلا زواج ولا أُسرة ولا استقرار.

خرج الشباب ورافقهم الطبيب وابنته سعاد إلى مشارف القبيلة، وعين ماجد لم تنزل عن سعاد، وقد وعدها بالعودة في القريب العاجل ليخطبها، فوعدته بانتظاره مهما طال السفر، وقد اطمأن قلبه لدى سماعه لكلامها ذاك.

وانطلقوا حتى غابوا عن الأنظار ورجع الطبيب وابنته إلى دارهما، أما شبابنا فكأنهم انطلقوا من ديارهم للتو، وراحوا يجدون السير كسباً للوقت، ولكن ما حدث معهم بعد ذلك كان أكثر مما حدث لهم في السابق.

 

وَالدُ أَمْجَد يُفارَقَ الحَيَاة

 

لا دوام لفرح الإنسان، ولا استقرار لسعادته مع وجود منغّصات الحياة التي تأتيه بألف سبب، وفي أكثر الأحيان تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فلا يُدرك الإنسان غايته المنشودة ولا يصل إلى هدفه المطلوب، فلقد كان أمجد عازماً على إكمال رحلته مع رفاقه والعودة سريعاً إلى ربوع الوطن حتى يصطحب معه والده ليخطب له ليلى، ولكنه لم يكن يعلم أنه بعد خروجه من قبيلته بيومين أصيب والده بمرض خطير أودى بحياته، وقد حزن جميع أهل القبيلة على فراقه في تلك الظروف، والجميع كانوا يخشون على أمجد من الحزن لشدة تعلّقه بأبيه، ولكن كبير القبيلة قام بكل ما يفرضه عليه الواجب تجاه مراسم الدفن والعزاء وكأنّ أمجداً بينهم، وبعد انتهائهم من مراسم العزاء انعقد مجلس القبيلة للنظر في شأن أمجد، وقد وقع النزاع بينهم بين مَن رأى عدم إخبار أمجد حتى لا يقطع سفره فإنّ الحزنَ والسفر معاً لا يُحتملان في الغالب، وبين معارض لهذه الفكرة لضرورة أن يعلم بشأن وفاة والده كيلا يتحامل عليهم إن عاد إليهم وعلِم بفاجعته، فإنه لا شك سوف يحزن كثيراً ويعاتبهم أو يخاصمهم، وبعد ساعتين من الوقت حسم رئيس القبيلة النزاع فقرر أن يُرسل خلف الشباب رسولاً ليخبرهم بهذا المصاب ويرى ما سوف يقرر أمجد، أيقطع سفره ويرجع، أم يصبر ويتابع رحلة عمره، وبهذه الطريقة يرفع كبير القبيلة المسؤولية عن نفسه وعن أهل قبيلته، وعلى وجه السرعة كلف الرئيس شاباً قوياً بهذه المهمة وأعطاه أفضل الجياد السريعة ليكسب المزيد من الوقت، وقد انطلق مبعوثهم في تلك الليلة بعد أن زوّده الرئيس بخريطة مسير الشباب.

 

عَوَائِق تقفُ في طريقِ المبعوث

 

مهما كان الإنسان ذكياً وحذِقاً وعاقلاً فلا بدّ أن يُخطئ ولو بأمر يسير، فلقد أخطأ كبير القبيلة هذه المرة عندما أرسل خلف الشباب شاباً واحداً مع علمه بمخاطر السفر في الصحراء، وأنّ الخطر يشتد إن كان المسافر وحيداً، فلقد كان أهل القبيلة قلقين على الشباب الأربعة، أما الآن فقد ازداد قلقهم عندما أرسلوا شاباً آخر للبحث عنهم، ولم ينتبه كبير القبيلة وأعضاء مجلسه لخطورة الأمر إلا بع خروج الشاب من القبيلة بيومين، ولم يكن بإمكانهم فعل أي شيء سوى الإنتظار.

وبما أنّ هذا الشاب ليس موضع قصتنا فإننا لن نذكر ما حدث له ومعه تفصيلاً، غير أنه تعرّض للكثير من المخاطر التي شابهت المخاطر التي اعترضت شبابنا الأربعة، وربما أكثر لأنه كان وحيداً وهم أربعة، ولكنه بجرأته وشجاعته استطاع أن يتجاوز كل المخاطر حتى يُكمل مهمته النبيلة، وقد اقترب منهم كثيراً بعد سؤاله كل القبائل التي عبروها عن وجهة سيرهم، وكان يلحق بهم على وجه السرعة حتى اقترب من قبيلة الطبيب والد ليلى محبوبة أمجد.

 

وصولُ المَبْعوثِ إلى قَبيْلَة الطبيْب

 

بعد خروجهم من قبيلة الطبيب بيومين وصل إليها شابٌ من قبيلتهم  أرسله أهلها للإطمئنان على سلامتهم، وإخبار أمجد بوفاة والده حتى يرجع سريعاً إلى القبيلة للقيام بمراسم الوفاة المتَّبَعة عندهم، وقد مرّ الشاب الموفد على كل قبيلة قصدها الشباب الأربعة من قبل، وكان يستدل من القبائل على وجهة سيرهم حتى وصل أخيراً إلى آخر نقطة انطلقوا منها قبل يومين، وهي قبيلة الطبيب الذي عالج جريحهم وأكرمهم أحسن تكريم هو وابنته المحبوبة ليلى.

وصل الموفد إلى دار الطبيب بعد بحث طويل وعناءٍ مرير، فقام باستقباله، وأكرم وِفادته بعد أن علم أنه قريب أمجد، وقد أخبر الموفدُ الطبيبَ وابنتَه بفاجعة وفاة والد أمجد، فاستاء الطبيب وابنته لهذا الخبر، وقد ساورهم القلق على أمجد الذي سيصعقه هذا الأمر لأنّ المصيبة عن بُعد آلم على قلب المرء خصوصاً على قلب أمجد الذي كان مشتاقاً لرؤية والده.

قام الطبيب بإكرام الموفد فأعدَّ له طعاماً فأكل حتى شبع، ثم استبقاه تلك الليلة خوفاً عليه من مخاطر السير في الليل، فاعتذر الشاب وأخبر الطبيب بأنه على عجلة من أمره، وأنه لن يضيّع أية دقيقة في غير اللحاق بالشباب، فعرض عليه الطبيب المساعدة فشكره على اهتمامه، ولكنه اكتفى ببعض الزاد الذي أعدته له ليلى، ثم انطلق خلفهم مسرعاً ليدركهم في أقل وقت ممكن،  وكان يُجد السير ليل نهار على ظهر جواده الأصيل حتى أدركهم في منطقة صحراوية نائية كانوا قد نصبوا خيمتهم فيها لقضاء تلك الليلة، فوصل إليهم عند منتصف الليل.

 

وأخيراً عثر عليهم

 

أعدوا طعام العشاء بعد أن نصبوا خيمتهم هناك، وجهزوا أسرّتهم للنوم، وقبل أن تصل أيديهم إلى أول لقمة سمعوا صحيل خيل يدنو منهم شيئاً فشيئاً.

ففي قلب الصحراء، وفي ظلمة الليل الحالك، وفي مكان موحش خال من الأنيس اعتراهم القلق وسيطر عليهم الخوف، فانقطعت شهيتهم عن الطعام وجافى النعاس عيونهم، فحملوا سيوفهم باليمين والمشاعل باليسار، وخرجوا من الخيمة ليستطلعوا الأمر فصرخ أمجد قائلاً: مَن هناك: فردّ عليهم الشاب معرّفاً عن نفسه مباشرة تجنباً لحدوث أي خطأ، فشعروا في تلك اللحظة بالفرح والخوف في آن واحد، أما الفرحة فبسبب مجيء الشاب ليعرفوا منه أخبار قبيلتهم ويبعثوا معه برسالة تطمينية، وأما الخوف فشعورهم بأنه يحمل إليهم خبراً سيئاً، فنزل من على ظهر جواده فسلم عليهم بحرارة وعانقهم واحداً واحداً، وهم يسألونه عن سبب اللحاق بهم قبل أن يلتقط أنفاسه، وكان يهدئ من روعهم حتى يستريح قليلاً ويتمكن من مخاطبتهم.

دخل الجميع إلى الخيمة فجلسوا وهم ينظرون إليه بتأمل وينتظرون الكلام الذي سينطق به، وقد تملّك بهم التوتر وسارورهم القلق الشديد، ولكنهم فهموا من لحاقه بهم وطريقة نظراته وحركاته أنه يوجد خبرٌ سيئ في جعبته.

ثم توجّه الموفد نحو أمجد وخاطبه دون أية مقدمات قائلاً له: البقاء في حياتك: لقد فارق والدك الحياة وهو راض عنك، وهنا فقد أمجد أعصابه وراح يضرب رأسه بقوة فخشي عليه أصدقاؤه فثبّتوه كيلا يؤذي نفسه وراحوا يخففون عنه ويصبرونه حتى استعاد رشده، وبقي الوضع كذلك لأكثر من ساعة، وكان وضع أمجد يتأزم لحظة بعد لحظة لولا أن حدث لهم ما قد شغلهم عن خبر الموفد، وهو هجوم حيوان مفترس عليهم داخل الخيمة، وقد أنساهم الخوف حزنهم، ولكنهم في النهاية استطاعوا أن يقتلوه، ثم جلسوا داخل الخيمة وقد استبد بهم التعب والنعاس، فناموا نوماً عميقاً حتى ظُهْر اليوم التالي إلا أمجد فقد استيقظ باكراً وجلس خارج الخيمة حزيناً على فراق والده العطوف.

خرج الموفد من الخيمة وجلس مع أمجد على انفراد وراح يكلمه ويخفف عنه ألم المصاب، ثم بلّغه رسالة الطبيب والد محبوبته، فهدأت نفسه قليلاً، واستسلم للواقع، وقرر أن يتابع رحلته مع رفاقه، لأن العودة إلى الديار لا تعيد مَن مات، ولا بد لمسيرة الحياة أن تستمر.

وعندما تمالك أمجد نفسه وهدأ روعه سأل الموفد عن سبب وفاة أبيه فأخبره أنه أصيب بمرض غامض عجز الأطباء عن تشخيصه فضلاً عن معالجته، ولم يُقصّر أحد من أهل القبيلة في السعي لعلاجه حيث استدعوا أمهر طبيب في المحيط فعجز عن فعل أي شيء له حتى وافته المنية فجر يوم وفاته، ثم عاود أمجد البكاء وكان الموفد وأصدقاؤه يخففون عنه قدر الإمكان.

 

مُتَابعَة الرحلة وعَودَةُ الموفد

 

أمضوا ذلك اليوم في مكان مبيتهم حيث انهدمت قواهم بعد معرفة الخبر الذي أقضّ مضجعهم وشغل بالهم وأحزن قلوبهم، ثم باتوا والموفد ليلتهم تلك في ذلك المكان وهم على تلك الحالة من الحزن والكآبة، وأسدل الصمت ثوبه عليهم، وعمّ الهدوء أرجاء المكان وكأنّ على رؤوسهم الطير، وهي الليلة الوحيدة منذ بداية رحلتهم لم يشعر أحد منهم بالخوف حيث طغى الحزن على جميع مخاوفهم، وفي الصباح الباكر استيقظ الجميع في وقت واحد على غير عادتهم، فقاموا وحزموا أمتعتهم وجمعوا أغراضهم دون أن يتناول أحدهم لقمة واحدة أو يشرب قطرة من الماء، ثم ودعوا الموفد بعد أن حمّلوه التحايا الحارة لأهل قبيلتهم وبعض الأغراض الثمينة التي حصلوا عليها من أماكن متعددة كتعبير منهم عن الروابط القبلية فيما بينهم، ومع شروق الشمس انطلق الموفد عائداً من حيث أتى، وتابع الشباب رحلتهم نحو العالَم المجهول وهم قلقون على سلامة الموفد الذي قطع مئات الأميال من أجلهم، وكان أهل قبيلتهم ينتظرون عودتهم بعد وفاة والد أمجد، ولكن الواقع كان على خلاف ظنهم.

سوف نترك شبابنا يمشون في تلك الصحراء الواسعة ونرافق الموفد حتى يصل إلى قبيلته، ثم نعاود التواصل مع الشباب الأربعة لننظر إلى أين وصلوا وماذا حدث معهم.

 

إِصَابَةُ المُوْفَدِ بِالحُمى

 

انتهت مهمة الموفد مع شباب القبيلة الأربعة بعد أن أخبرهم بوفاة والد أمجد، وأبلغهم رسالة الكبير الذي ينصحهم فيها بالعودة إلى الديار فوراً خوفاً على حياتهم من الغربة المجهولة بين رمال الصحراء الواسعة، خصوصاً وأنهم كانوا حديثي عهد بالسفر، بيدَ أنّ كبيرهم كان يتعامل معهم برفقٍ ولِيْن كما يتعامل مع أولاده النسبيين وأكثر، ولم يجرؤ أحدهم يوماً أن يخالف له أمراً، ولكن.. وللمرة الأولى خالف أحد أبناء القبيلة كلام كبيرهم حيث رفض شبابنا المغامرون العودة قبل إتمام ما أتوا لأجله، وقد أجمعت كلمتهم على الإستمرار موطّنين أنفسهم على تحمّل أي شيء في سبيل إشباع الطموح وتحقيق الأحلام، ولن يتحامل الكبير عليهم عندما يعودون إلى وطنهم مكللين بالنجاح، وحاملين معهم الثروة والثقافات المتعددة، بل على العكس سوف يشكرهم على اعتراضهم له لأنهم سوف يجلبون الخير لقبيلتهم بعد أن يعرّفوا القبائل عليها حيث كانت مجهولة لدى الكثيرين قبل خروج الشباب منها، فكانوا كلما التقوا بشخص أو مجموعة أخبروهم عن جغرافية قبيلتهم وأخلاق أهلها الطيبين وثروتها الحيوانية ومائها العذب ومناخها المعتدل، وعن بعض عاداتهم وشيء من ثقافتهم، وهذا ما يبحث عنه كل مسافر، ، بل إنّ طموحهم كان أكبر مما نتخيّل، كانوا يهدفون إلى جعلِ قبيلتهم مركزاً تجارياً للمسافرين، وخصوصاً التجار الذين يعبرون بالقرب منها ولا يعرفونها.

فودّع موفد القبيلة الشباب الأربعة بعد أن لمس منهم الإصرار على متابعة الرحلة، وانطلق مع شروق الشمس مسرعاً لكسب الوقت حتى يُدرك القبيلة في أقرب وقت ممكن حيث يحتاج طريق العودة إليها أكثر من خمسة عشر يوماً، وكان الموفد يسعى لإدراكها قبل هذا الوقت كيلا يطول قلق أهل القبيلة على شبابهم.

وبسبب سيره المتواصل تحت أشعة الشمس الحارقة واقتصاده بشرب الماء وعدم أخذ الراحة الكافية شعر الموفد بارتفاع حرارة جسمه، وبدأت قواه تنهار شيئاً فشيئاً، واستحكم به الدوار والغثيان فراح يُكثر من شرب الماء، ولكن بعد فوات الأوان حيث لم يعُد الماء لوحده كافياً للعلاج، فجف الماء في جسمه وبدأ خطر الموت يدنو منه.

ورغم ذلك ثبت على ظهر جواده، ودخل في غيبوبة، وما زال الجواد يمشي، فاستيقظ الموفد على صوت رجل يعمل على إعادة وعيه له، ففتح عينيه وإذا هو ملقى على سرير مريح داخل بيت واسع، وعندما استعاد كامل وعيه أدرك أنّ يد القدرة أوصلته إلى دار الطبيب والد ليلى(محبوبة أمجد) فاستهجن للأمر شاكراً ربه على النجاة، وسأل الطبيب قائلاً:من أتى بي إلى هنا؟ فأجابه الطبيب: إسترح الآن وسوف تعرف كل شيء عندما تستعيد كامل صحتك.

 

بَعْدَ استيقَاظه مِنَ الغَيْبُوبَة

 

بعد ارتفاع حرارة جسمه في الصحراء فقد الموفد وعيه ولكنه بقي ثابتاً على ظهر جواده حيث قيّد نفسه بحبل تحسباً من السقوط حينما شعر بخطر الحمى، وقد استمر الجواد في العَدْوِ لساعات والموفد فوق ظهره غائبٌ عن الوعي حتى وصل إلى قبيلة الطبيب الذي استضافه من قبل، وكانت أقرب موضع من مكان العودة،  فدخل الجواد مَضارب القبيلة عند شروق الشمس حيث الطبيب وابنته ليلى يجمعان بعض الأعشاب الطبية، فاقتربا منه بعد أن لاحظا أمراً غريباً، فوجدا الموفد مغمى عليه فعرفاه فوراً وأدركا بأنّ الحمى قد أصابته فخشيا عليه من الهلاك قبل الوصول إلى الدار، فأخذ الطبيب بلجامه وراح يركض نحو داره، وليلى تغسل وجهه بالماء البارد كي تساعد على انخفاض الحرارة ولو بشكل جزئي،ثم بدأ الطبيب بعلاجه فوراً حتى انخفضت الحرارة بعد ثلاث ساعات من العلاج المتواصل، ونجا الموفد من الموت بأعجوبة، وقد استعاد وعيه بالكامل، ولكن بعد ثلاثة أيام من الغيبوبة الكلية.

 

حوَارٌ بَيْنَ الطّبيبِ والمُوفَد

 

بعد استعادة وعيه ونشاطه كان الجوع قد استحكم بالموفد حيث لم يدخل إلى جوفه لقمة واحدة طيلة تلك المدة التي قضاها في الغيبوبة، ولهذا أعدّت له ليلى طعاماً صحياً يتناسب مع حالته المرضية، ثم جلس الثلاثة على طاولة الطعام، وراح الطبيب يسأل الموفد عن حالة الشباب الأربعة فأجابه الموفد:تركتهم ليلة أمس وهم في أحسن حال: فقال له الطبيب: تعني أنك تركتَهم منذ ثلاثة أيام: فاستهجن الموفد من كلام الطبيب وأصر على أنه تركهم في الليلة الماضية لأنه لم يُدرك بعد أنه غاب عن الوعي  ثلاثة أيام، وحينها أخبره الطبيب بالحقيقة فاغتاظ واغتم بسبب تأخيره عن أهل قبيلته القلقين على سلامته وسلامة شبابهم، فتناول طعامه بسرعة وجهز نفسه للرحيل، وقد احترم الطبيب شعوره ولم يطرح عليه المزيد من الأسئلة عن الشباب وخصوصاً عن أمجد الذي يريد الزواج من ابنته الوحيدة ليلى، المهم أنه اطمأن عليهم، وهذا يكفيه في تلك المرحلة.

وقبل أن يمضغ الموفد آخر لقمة نهض مسرعاً واستأذن الطبيب بالرحيل بعد تقديم آيات الشكر على ما صنعه من أجله هو وابنته المحترمة ليلى، وانطلق مسرعاً في طريق العودة دون أن يهتم بالزاد من الطعام والشراب، ولكنه بعد مضي ساعات أدرك أنه تسرّع وأخطأ حين لم يحمل معه ما يكفيه من الماء والطعام.

اشتدت حرارة الشمس، واشتد معها الظمأ، والموفد تحت رحمة اليأس الذي استبد به، فراح يبحث عن ظلِ يقيه من حرارة الشمس كيلا يزداد عطشه أكثر، وهو حديث عهدٍ بالشفاء، فخشي أن تصيبه الحمى ثانية.

وبعد بخثٍ استغرق ساعة من الوقت وجد شجرة واحدة في مكان منحرف عن الطريق العام فتقدم نحوها ثم مدّ يده على جعبته ليأخذ منها البساط ويفترشه فوجد فيها صرة كبيرة، فتحها وإذ به يجد فيها طعاماً وفيراً وماءاً يكفيه لأيام، فشكر الله والطبيب الذي أنقذه من الموت بسبب الحمى، ثم أنقذه منه ثانيةً بهذا الماء، فشرب ما يكفيه وتناول القليل من الطعام وتابع سيره باتجاه القبيلة، ولم يكن قد قطع بعدُ ربع المسافة.

 

صراعٌ بين الموفد وأربعة لصوص

 

أكل حتى الشَّبَع، وشرب حتى الإرتواء، ثم بات ليلته في مكانه حيث استبد به التعب، ولم يعُد قادراً على مواصلة السير، فإنّ لكل إنسان حدوداً يجب أن يقف عندها مهما كان قويَّ البُنية.

وأجهلُ شخص في الوجود هو الذي يظن بأنه بعيد عن الخطر خصوصاً في الصحراء الواسعة التي كثر الحديث عن أحداثها وأخطارها.

ولعل هذا الشاب كان ممن يظنون بُعدَ الخطر عنهم إلى أن وقع في مصيدة اللصوص فأدرك أنه كان مخطئاً، وما حصل معه في ذلك اليوم كان تجربة له لا تُنسى.

فقُبيل شروق الشمس بقليل استيقظ الموفد الشاب على وَقْعِ أقدام مصحوبة بصهيل خيل فقام مسرعاً ليجد نفسه مُحاطاً بأربعة رجال مسلحين يطلبون منه إخراج كل ما بجعبته من أموال ومتاع، وكان يحمل معه أغراضاً نفيسةً، تلك التي حمّله إياها الشباب لإيصالها إلى أهل القبيلة حتى يتبدل حالهم بها إلى الأحسن، فحاصره اثنان منهما، وبدأ الآخران بتفتيش أمتعته، ولم يكن أمامه الكثير من الوقت للتفكير، فحياته في خطر والأمانة التي يحملها معه أصبحت قاب قوسين من أيدي اللصوص، والموت عنده أهون من أن يُفرّط بالأمانة، وكان هدف اللصوص أن يأخذوا كل ما معه ثم يقتلونه كيلا يشي بهم ويفضح أمرهم، وكان هذا الموفد رغم صِغر سنّه مُدرَّباً على القتال، وقد اعتقد اللصوص بأنه مجرد شاب سوف يرتجف عندما يُشهرون سيوفهم في وجهه، فانتفض كالليث شاهراً سيفه في وجوههم، وقد بارز أشجعهم فتغلّب عليه وصرعه جريحاً، وعندما رأى الباقون قوة هذا الشاب وسمعوا صوت صاحبهم الناجم عن الألم الشديد لاذوا بالفرار وتركوا رابعهم مطروحاً على الأرض ينزف بشدة، فحمل الموفد أغراضه وامتطى ظهر جواده وانطلق مسرعاً باتجاه القبيلة.

 

وصولُ الموفد إلى مضَارِب قبيلته

 

لم تكن إصابة الموفد بالحمى في طريق العودة المانع الوحيد له من الوصول إلى قبيلته على وجه السرعة، ولم تكن قبيلة الطبيب والد ليلى آخر قبيلة يمر عليها، ولم تكن حادثة اللصوص هي الوحيدة التي واجهته، بل مرّ بعشرات القبائل في طريق العودة، وواجه الكثير من المخاطر والمخاوف التي اجتازها بشق النفس، وبما أنه ليس بطل قصتنا فسوف ننتقل مباشرة إلى يوم وصوله للقبيلة ثم نلتحق بعدها بشبابنا الأربعة لنرى إلى أين وصلوا.

وصل إلى قبيلته بعد عشرين يوماً من افتراقه عن الشباب فخرج جميع أهل القبيلة لاستقباله وهم ملهوفون لمعرفة أخبار شبابهم، وخصوصاً كبير القبيلة الذي أدخله على الفور إلى مجلسه واستمع إلى أخبار الشباب منه فشكر الله على سلامتهم ودعا لهم بالتوفيق، وكان أهل القبيلة يعلقون عليهم آمالاً كبيرة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى